لماذا تعجز البلديات عن الوفاء بالتزاماتها؟ قراءة في حرمانها من الضرائب وقانون 2013

طارق سويطات
تحت شعار “اللامركزية” و”تمكين الحكم المحلي”، صدر قانون الهيئات المحلية رقم 1 لسنة 2013، لكن بعد أكثر من عقد على تطبيقه، تحولت البلديات الفلسطينية في الضفة الغربية إلى كيانات تعاني من عجز مزمن في السيولة، وديون متراكمة، وشلل شبه تام في تقديم الخدمات الأساسية. فإلى أي مدى تتحمل الحكومة المركزية وقوانينها مسؤولية هذا الفشل؟ وهل تحصل البلديات فعلاً على حصة عادلة من الضرائب التي يدفعها المواطن؟
هذا التحقيق الصحفي يغوص في تفاصيل العلاقة الإشكالية بين السلطة الوطنية والهيئات المحلية، ويكشف عن أبعاد قانونية ومالية دفعت بالبلديات إلى حافة الانهيار.
3% فقط من إجمالي الموازنة: حصة لا تتناسب مع حجم المسؤوليات
تكشف البيانات المالية الرسمية أن مجمل التحويلات الحكومية إلى جميع الهيئات المحلية لا تتجاوز حوالي 3% من إجمالي الموازنة العامة للسلطة الفلسطينية. وبما أن هذه التحويلات تشكل أكثر من نصف إيرادات البلديات، فإن هذا الرقم الضئيل يجعلها تعتمد على مصادر تمويل غير مستقرة ومحدودة، مثل الرسوم المحلية والضرائب المباشرة.
المشكلة الأكبر، وفقاً لمختصين، ليست فقط في صغر حجم هذه النسبة، بل في عدم انتظام تحويل المستحقات، خاصة تلك المتعلقة بضريبة الأملاك التي تُعد شريان حياة رئيسياً للبلديات.
قصة ضريبة الأملاك: نزاع مستمر وديون متأخرة
في فلسطين، تقوم وزارة المالية بجباية ضريبة الأملاك نيابة عن البلديات، وتستقطع نسبة 10% كرسوم جباية، ثم يُفترض أن تُحول الـ90% المتبقية إلى البلديات المعنية. لكن أرض الواقع تحكي قصة مختلفة تماماً:
· تعاني البلديات من تراكم ديون ضخمة لدى وزارة المالية نتيجة التأخير المستمر في تحويل هذه المستحقات، مما يخلق أزمة سيولة حادة.
· في عام 2022، حاولت وزارة المالية تعديل النسبة لصالحها (مثل 20%-25% للوزارة مقابل 80%-75% للبلديات)، مقابل منح البلديات صلاحية الجباية المباشرة، وهو ما قوبل برفض واسع من رؤساء البلديات الذين اعتبروه “انتزاعاً لحقوقهم التاريخية”.
· بعض البلديات، مثل بلدية رام الله، بدأت تجارب في جباية ضريبة الأملاك بنفسها لضمان تدفق الإيرادات، لكن هذا الحل ليس متاحاً للجميع بسبب التعقيدات القانونية والإدارية.
قانون 2013 بين النص والواقع: تعزيز للمركزية أم تمكين للحكم المحلي؟
رغم أن قانون الهيئات المحلية لعام 2013 منح البلديات نظرياً شخصية اعتبارية وذمة مالية مستقلة، إلا أن دراسات قانونية متعددة انتقدته بشدة، معتبرة أنه عزز سيطرة السلطة المركزية على الحكم المحلي بدلاً من تقليصها.
بحسب تقييمات خبراء، فإن القانون:
· أخضع البلديات لرقابة إدارية ومالية مشددة من قبل وزارة الحكم المحلي، مما جعل أي قرار استراتيجي – من تعيين كوادر إلى إبرام عقود – بحاجة موافقات مركزية تستغرق شهوراً.
· قلص هامش المناورة المالية للبلديات، حيث أصبحت ملزمة بموازنات نمطية لا تراعي خصوصية كل بلدية واحتياجاتها.
· لم يحل مشكلة ازدواجية الولاء، حيث تبقى البلديات خاضعة لوزارة الحكم المحلي من ناحية، ولوزارة المالية من ناحية أخرى، مما يخلق بيروقراطية معقدة.
نتيجة لذلك، توصف العلاقة اليوم بين المركز والبلديات بأنها علاقة “إدارة أزمات” وليست شراكة تنموية، حيث تحولت البلديات إلى أذرع تنفيذية تابعة للحكومة بدلاً من أن تكون هيئات حكم محلي حقيقية.
أرقام صادمة تعكس واقعاً مريعاً
تكشف دراسة تحليلية صادرة عن معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) عن مؤشرات خطيرة:
· المصاريف تعادل الإيرادات: يبلغ متوسط مصاريف الهيئات المحلية حوالي 99% من إيراداتها، مما يعني عدم وجود أي فائض للطوارئ أو التنمية.
· الديون تلتهم الأصول: تصل نسبة الديون إلى إجمالي الأصول في غالبية البلديات إلى حوالي 41%.
· شبه غياب للسيولة النقدية: لا تتجاوز نسبة السيولة النقدية إلى مجموع الأصول 3.4% في المتوسط، أي أن البلديات غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها الآجلة.
هذه الأرقام تعني، بلغة بسيطة، أن البلديات تعيش على قيد الحياة من شهر لآخر، وأي تأخير في التحويلات الحكومية أو انخفاض في الجباية المحلية يؤدي مباشرة إلى تأخر الرواتب وتوقف الخدمات.
ماذا بعد؟ مطلوب إصلاح جذري وليس مسكنات
الخلاصة التي يتفق عليها خبراء الحكم المحلي هي أن أزمة البلديات الفلسطينية ليست مجرد عجز مالي عابر، بل هي أزمة هيكلية قانونية وسياسية تتطلب علاجاً جذرياً. الحلول المقترحة تتضمن:
- تعديل قانون الهيئات المحلية بشكل يضمن لامركزية حقيقية، ويحدد بوضوح الصلاحيات المالية والإدارية للبلديات.
- إصلاح نظام الإيرادات إما بتحويل نسبة عادلة ومضمونة من الضرائب المجباة مركزياً، أو بتمكين البلديات من جباية ضرائبها بنفسها.
- تفعيل دور صندوق تطوير وإقراض الهيئات المحلية ليكون داعماً حقيقياً وليس مجرد جهة بيروقراطية.
- إرادة سياسية من الحكومة المركزية للتخلي عن جزء من صلاحياتها، والإيمان بأن البلديات القوية هي ضمان لاستقرار المجتمعات، وليس تهديداً للنفوذ المركزي.
في ظل استمرار احتجاز إسرائيل لأموال المقاصة، وغياب أفق سياسي، تظل البلديات الفلسطينية تدفع ثمن صراع لا علاقة لها به، بينما يئن المواطن تحت وطأة انقطاع المياه وتكدس النفايات وتأخر الرواتب. السؤال الآن: هل آن الأوان لإعادة التفكير بجذرية في علاقة المركز بالمحليات، أم أن البلديات ستظل رهينة أزمات متراكمة بلا حل؟



