جنين بين مطرقة الواقع الأمني وسندان “الفنتازيا” الرسمية: تفكيك الفجوة بين أزقة المخيم وصالونات التجميل الإعلامي

تخوض مدينة جنين ومخيمها منذ عقود مواجهة مفتوحة على جبهتين؛ جبهة البقاء والصمود في وجه آلة الحرب الإسرائيلية التي لا تتوقف عن قضم بنيتها التحتية والبشرية، وجبهة أخرى لا تقل ضراوة، تتمثل في محاولات “إعادة هندسة الوعي” وتجميل الواقع من قبل جهات رسمية ومؤسساتية. هذه الجهات تحاول تسويق صورة نمطية للمدينة تقوم على “الحياة الطبيعية” والمهرجانات، والتركيز على قضايا هامشية، في وقت تنزف فيه شوارع المدينة وتئن تحت وطأة الحصار والدمار.
بين أزقة مخيم جنين التي تحكي قصة الاقتحامات اليومية، وبين أروقة صالونات السياسة وجولات العلاقات العامة، تتسع الفجوة لتبدو المدينة وكأنها تعيش في عالمين موازيين لا يلتقيان.
أولاً: صدمة الأولويات.. “دوار البطيخة” والهروب إلى الهامش
في الوقت الذي تعاني فيه شوارع جنين من تدمير شبه كامل لشبكات المياه، والكهرباء، والصرف الصحي، وشلل تام في القطاع التجاري نتيجة الاقتحامات المتكررة، يبرز نقاش غريب في أروقة البلدية والمجالس المحلية حول إعادة إعمار معالم رمزية أو مجسمات هندسية، مثل الجدل الشهير الذي دار حول “دوار البطيخة”.
هذا السلوك الإداري والسياسي يعكس أزمة عميقة في ترتيب الأولويات:
- استفزاز الحاضنة الشعبية: يرى المواطن الذي فقد بيته أو دُمر متجره أن الانشغال بتصميم الميادين والمجسمات هو نوع من الترف الهندسي والبلدي الذي يقترب من “الوقاحة السياسية” في زمن الحرب.
- تغييب الضروريات مقابل الكماليات: بدل أن تتركز كافة الجهود والميزانيات لإعادة شريان الحياة الأساسي للمواطنين (طرق سالكة، مياه صالحة للشرب، شبكات طاقة)، تذهب الطاقات لمناقشة جماليات بصرية لا تطعم جائعاً ولا تثبت مأوى.
- معركة الرمزية المشوهة: محاولة فرض معالم “سياحية” أو جمالية في مدينة تعيش حالة مواجهة مستمرة هي محاولة بائسة لفرض “طبيعية قسرية” على واقع غير طبيعي بالمرة.
ثانياً: جولات الصحفيين والوفود الأجنبية.. صناعة الوعي الزائف
شهدت جنين في الآونة الأخيرة تصاعداً في تنظيم جولات موجهة لصحفيين، ووسائل إعلام، ووفود دبلوماسية وأجنبية، تحت شعار “تحسين صورة المدينة” وجذب الاستثمار أو السياحة. هذه الجولات تطرح تساؤلات مشروعة حول الهدف الحقيقي منها: هل هي لنقل الحقيقة أم لإخفاء الندوب؟
- البروباغندا وعزل المشهد: يتم هندسة مسارات هذه الجولات بعناية فائقة؛ تمر الوفود عبر الأسواق التجارية المكتظة في ساعات الهدوء المؤقت، وتُعرض أمامهم قصص نجاح ريادية محلية، في محاولة واضحة لفصل مركز المدينة التجاري عن ريفها ومخيمها المشتعلين.
- إخفاء الحالة الأمنية: تسعى هذه البرامج لإظهار أن المشكلة الأمنية هي مجرد “أحداث عارضة” وليست واقعاً بنيوياً يفرضه الاحتلال يومياً. هذا الأسلوب يخدم أطرافاً تريد تسويق فكرة “الهدوء مقابل السلام الاقتصادي”.
- تزييف المعاناة: عندما تخرج التقارير الصحفية لتركز على “جمال المقاهي” في جنين وتتغافل عن حصار المستشفيات ومنع سيارات الإسعاف من الحركة، فإنها تتحول من أداة لنقل الحقيقة إلى شريك في طمسها.
ثالثاً: المهرجانات والفعاليات الثقافية.. الفرح الاصطناعي فوق الركام
لا ينكر أحد أهمية الثقافة والفن كأدوات للمقاومة والصمود، ولكن عندما تتحول المهرجانات والكرنفالات التسويقية إلى أداة للتغطية على الدماء، هنا يبدأ الاغتراب المجتمعي. إن إصرار بعض المؤسسات على إقامة مهرجانات فرح واحتفالات في توقيتات متزامنة مع ارتقاء الشهداء أو حصار الأحياء يخلق حالة من الانفصام:
- سياسة التخدير المجتمعي: يرى الكثير من أهالي جنين ومخيمها أن هذه الفعاليات تُستخدم كحقن تخدير سياسي لخفض حدة الاحتقان، وإلهاء الشارع عن غياب الأفق السياسي والاقتصادي الحقيقي.
- توسيع الفجوة الطبقية والنفسية: تبرز هذه المهرجانات فجوة حادة بين فئتين؛ فئة تمتلك الرفاهية والقدرة على الاحتفال، وفئات سحقها الفقر والدمار في المخيمات والقرى المجاورة، والتي تدفع الفاتورة الأكبر من دمها وأرزاقها.
- الاستثمار في “الصورة” لا الإنسان: الميزانيات الضخمة التي تُرصد لهذه الكرنفالات والمهرجانات الرعائية كان يمكن أن تشكل فارقاً حقيقياً لو وُجهت لدعم صمود العائلات الثكلى، أو ترميم المنازل الآيلة للسقوط جراء التفجيرات.
جنين الحقيقية لا تحتاج إلى “فلتر”
إن جنين ليست بحاجة إلى “فلاتر” تجميلية تخفي ملامحها الحقيقية، ولا إلى جولات علاقات عامة تصنع لها واجهة براقة ومزيفة. إن القفز فوق الواقع الأمني والسياسي الصعب عبر بوابات “الفنتازيا” الرسمية والمشاريع الهامشية لن يغير من الحقيقة شيئاً.
صورة جنين الحقيقية لا تصنعها عدسة صحفي موجّه، ولا مجسم بطيخة على دوار، بل تصيغها تفاصيل الصمود اليومي لأهلها؛ بائع الخضار الذي يعيد فتح بسطته فوق الركام، الطبيب الذي يعمل تحت الرصاص، والناس الذين يتقاسمون رغيف الخبز والماء أثناء الحصار. على الجهات الرسمية والمؤسساتية أن تدرك أن صناعة الأمل لا تكون بإنكار الواقع، بل بمواجهته وتوجيه كل الإمكانيات لتعزيز صمود الإنسان فوق أرضه أولاً وأخيراً.



