20 مليار دولار شيكات في اقتصاد هش… هل يقترب الفلسطينيون من أزمة ديون صامتة؟

تداول الفلسطينيون خلال عام 2025 شيكات بقيمة تُقدَّر بنحو 20 مليار دولار، أُعيد منها ما يقارب 1.37 مليار دولار بسبب عدم كفاية الرصيد، وفق أرقام متداولة في الأوساط المصرفية والاقتصادية. هذه الأرقام، للوهلة الأولى، تبدو ضخمة وصادمة، لكنها تطرح سؤالًا جوهريًا: هل تتناسب هذه القيم مع حجم الاقتصاد الفلسطيني؟ أم أنها مؤشر خطير على اختلال عميق؟
اقتصاد بحجم الشيكات
يقدَّر الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد الفلسطيني بنحو 18–20 مليار دولار سنويًا في أفضل حالاته خلال السنوات الأخيرة. وهذا يعني أن قيمة الشيكات المتداولة تعادل تقريبًا حجم الاقتصاد السنوي بالكامل، وهو أمر غير طبيعي في أي اقتصاد، خاصة اقتصاد صغير، غير سيادي، ومقيد سياسيًا وأمنيًا.
فالشيكات ليست إنتاجًا ولا نموًا، بل هي أداة ائتمان ودين. وعندما يصل حجمها إلى مستوى الناتج المحلي، فهذا يشير إلى اقتصاد يعيش على الوعود المؤجلة لا على السيولة الحقيقية.
1.37 مليار دولار شيكات مرتجعة… رقم مقلق
تشكل الشيكات المرتجعة ما يقارب 6.8% من إجمالي الشيكات المتداولة، وهي نسبة مرتفعة جدًا مقارنة بالمعايير الدولية، حيث تُعد أي نسبة تفوق 3% مؤشر خطر، بينما تتراوح النسب الصحية عادة حول 1% أو أقل في الاقتصادات المستقرة.
في الحالة الفلسطينية، تعني هذه النسبة أن أزمة السيولة لم تعد فردية أو موسمية، بل أصبحت ظاهرة بنيوية تهدد السوق بأكمله.
لماذا تتفاقم الظاهرة في فلسطين؟
هناك مجموعة من العوامل المتداخلة تقف خلف هذه الأرقام، أبرزها:
- اقتصاد استهلاكي هش
يعتمد على الاستيراد، مع ضعف في القطاعات الإنتاجية، ما يجعل الشيكات وسيلة لسد فجوة الدخل لا لتمويل توسع حقيقي. - تحوّل الشيكات إلى بديل عن النقد
في ظل نقص السيولة وتأخر الرواتب والالتزامات، أصبحت الشيكات أشبه بـ”عملة مؤجلة”، يتداولها التجار والمواطنون على أمل تحسن الأوضاع لاحقًا. - القيود السياسية والمالية
الاقتطاعات من أموال المقاصة، الإغلاقات، وتراجع الحركة الاقتصادية كلها عوامل تضغط على القدرة الفعلية على الوفاء بالالتزامات. - ضعف أدوات الضبط والرقابة
غياب سياسات صارمة للحد من الإفراط في استخدام الشيكات دون ضمانات كافية.
هل الرقم مبالغ فيه؟
من حيث إجمالي قيمة الشيكات (20 مليار دولار)، قد يكون الرقم قابلًا للتفسير إحصائيًا، لأن الشيك الواحد قد يُستخدم أكثر من مرة خلال العام.
لكن من حيث قيمة الشيكات المرتجعة، فإن الرقم يعكس خللًا حقيقيًا وخطيرًا لا يمكن التقليل من شأنه.
مؤشرات على أزمة أعمق
هذه الأرقام لا تشير إلى أزمة أخلاقية أو سوء نية لدى المتعاملين، بل إلى:
- أزمة سيولة مزمنة
- توسّع في الائتمان غير المنظم
- خطر انتقال الأزمة من التجار إلى البنوك
- ثم إلى الموظفين والأسر
وهو ما ينذر بتحول المشكلة إلى أزمة ديون داخلية صامتة، قد تنفجر عند أي صدمة اقتصادية أو سياسية جديدة.
الأرقام المتداولة حول الشيكات في فلسطين لا تتناسب مع حجم اقتصاد محدود ومقيَّد، بل تكشف عن اقتصاد يعمل فوق طاقته، ويعتمد على تأجيل الاستحقاقات بدل معالجتها. إن استمرار هذا المسار دون تدخل جاد من الجهات الرسمية والمصرفية، قد يضع السوق الفلسطيني أمام اختبار صعب، تكون كلفته اجتماعية واقتصادية باهظة



