مال و أعمال

الاقتصاد الفلسطيني… إلى أين في عام 2026؟

طارق سويطات

قراءة رقمية في المشهد الاقتصادي في ظل انقطاع المقاصة، ومنع العمال، وتراجع المساعدات الخارجية

يدخل الاقتصاد الفلسطيني عام 2026 وهو يمرّ بأحد أخطر مراحله منذ تأسيس السلطة الفلسطينية، حيث تتقاطع الأزمات السياسية مع انهيارات مالية واجتماعية واضحة، انعكست بشكل مباشر على حياة المواطنين وقدرة المؤسسات على الاستمرار. فبين انقطاع أو اقتطاع أموال المقاصة، ومنع العمال الفلسطينيين من العمل في الداخل، والتراجع الحاد في المساعدات الخارجية، تبدو صورة المستقبل الاقتصادي قاتمة ومفتوحة على سيناريوهات صعبة.

أولاً: المقاصة… العمود الفقري الذي يتآكل

تشكل أموال المقاصة ما يقارب 60–65% من إيرادات السلطة الفلسطينية، وتُستخدم لتغطية الرواتب والنفقات التشغيلية والخدمات الأساسية.

إلا أن السنوات الأخيرة شهدت اقتطاعات وحجزاً متراكماً لهذه الأموال، حيث تشير التقديرات إلى أن قيمة أموال المقاصة المحتجزة تجاوزت 7 مليارات شيكل (نحو 2 مليار دولار) حتى نهاية 2025.

هذا الانقطاع أدى إلى:

  • صرف رواتب منقوصة أو متأخرة.
  • ارتفاع مديونية الحكومة للبنوك المحلية.
  • تراجع الثقة بالقدرة المالية للسلطة.
  • شلل جزئي في تقديم الخدمات العامة.

وفي عام 2026، لم تعد أزمة المقاصة حالة طارئة، بل واقعاً مالياً دائماً يضغط على الاقتصاد ويحدّ من أي قدرة على التخطيط طويل الأمد.

ثانياً: العمال الفلسطينيون… خسارة السيولة الأكبر

قبل عام 2023، كان يعمل في الداخل الإسرائيلي والمستوطنات أكثر من 150 ألف عامل فلسطيني، يشكّلون أحد أهم روافد السيولة النقدية للاقتصاد الفلسطيني.

لكن مع القيود المشددة ومنع العمال، انخفض العدد إلى أقل من 15 ألف عامل فقط في بعض الفترات، ما يعني فقدان عشرات آلاف الأسر لمصدر دخلها الأساسي.

وتُقدَّر الخسائر الناتجة عن توقف العمالة بمئات ملايين الدولارات سنوياً، وهو ما انعكس مباشرة على:

  • ارتفاع معدل البطالة الكلي إلى نحو 46%.
  • وصول البطالة في قطاع غزة إلى أكثر من 77%.
  • ارتفاع البطالة في الضفة الغربية إلى نحو 28%، مع نسب أعلى في المحافظات الشمالية.

هذا التراجع الحاد في الدخل أدى إلى انخفاض القدرة الشرائية، وإغلاق مئات المحال التجارية والمشاريع الصغيرة، واتساع رقعة الفقر.

ثالثاً: الناتج المحلي… اقتصاد ينكمش

تشير التقديرات إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني انخفض بنحو 24% مقارنة بعام 2023، وهو تراجع غير مسبوق في فترة زمنية قصيرة.

وفي قطاع غزة، كان الانهيار أشد، حيث انكمش الناتج المحلي بنسبة تقارب 84%، ما يعكس شبه توقف كامل للنشاط الاقتصادي.

هذا الانكماش لا يقتصر على قطاع واحد، بل شمل:

  • قطاع البناء.
  • الزراعة.
  • التجارة والخدمات.
  • الصناعات الصغيرة والمتوسطة.

رابعاً: المساعدات الخارجية… تراجع شبكة الأمان

لطالما شكلت المساعدات الخارجية رافعة مهمة لدعم الموازنة الفلسطينية، إلا أنها شهدت تراجعاً حاداً في السنوات الأخيرة.

ورغم الإعلان عن حزم دعم، مثل حزمة أوروبية بنحو 1.6 مليار يورو للفترة 2025–2027، إلا أن هذه المساعدات:

  • لا تُصرف دفعة واحدة.
  • مشروطة سياسياً وإدارياً.
  • غير كافية لسد فجوة العجز المتنامي.

في 2026، لم تعد المساعدات قادرة على لعب دور “المنقذ”، ما دفع السلطة إلى الاعتماد المتزايد على الاقتراض الداخلي وتقليص النفقات.

خامساً: انعكاسات اجتماعية خطيرة

الأزمة الاقتصادية لم تعد مجرد أرقام، بل تحولت إلى أزمة اجتماعية عميقة، أبرز ملامحها:

  • تآكل الطبقة الوسطى.
  • ارتفاع نسب الفقر.
  • توسع الاقتصاد غير المنظم.
  • زيادة الهجرة، خاصة بين الشباب وأصحاب الكفاءات.
  • تراجع الثقة بالمؤسسات الرسمية والاقتصادية.

إلى أين يتجه الاقتصاد الفلسطيني في 2026؟

في ظل هذه المؤشرات، يقف الاقتصاد الفلسطيني عند مفترق طرق حاسم. فاستمرار السياسات الحالية يعني مزيداً من الانكماش والتآكل، بينما يتطلب الصمود:

  • إعادة الاعتبار للإنتاج المحلي والزراعة.
  • دعم حقيقي للمشاريع الصغيرة.
  • تقليل الاعتماد على الاقتصاد الإسرائيلي.
  • تفعيل دور النقابات والغرف التجارية.
  • بناء أدوات حماية اجتماعية للفئات الأكثر تضرراً.

عام 2026 ليس عاماً عادياً في المسار الاقتصادي الفلسطيني، بل محطة اختبار حقيقية لقدرة المجتمع والسلطة على الصمود في وجه اقتصاد مُقيد ومُنهك. فالاقتصاد هنا لم يعد مسألة نمو أو تراجع، بل مسألة بقاء واستقرار اجتماعي. ومن دون تغيير جذري في النهج الاقتصادي والسياسي، سيبقى السؤال مفتوحاً: إلى أين يمضي الاقتصاد الفلسطيني، ومتى يُكسر هذا المسار الانحداري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى