اخبار جنينترجمات

«حبيبي حسين»: حين تُقصى الخبرة المحلية باسم الدعم

لا يأتي فيلم «حبيبي حسين» كعمل وثائقي عن ترميم سينما قديمة فحسب، بل كمساءلة عميقة لدور المنظمات غير الحكومية (NGOs) في تشكيل المشهد الثقافي الفلسطيني، وللثمن الإنساني الذي يُدفع حين تُستبدل الخبرة المتراكمة بـ«إدارة حديثة» مستوردة من الخارج.

الحكاية أبعد من شخص

في ظاهر الفيلم، نتابع قصة حسين، آخر مشغّل لجهاز العرض في سينما جنين، الرجل الذي ارتبطت حياته بالمكان، وصار جزءًا من ذاكرته اليومية. لكن الفيلم سرعان ما يكشف أن حسين ليس فردًا معزولًا، بل نموذج لإنسان فلسطيني امتلك معرفة حقيقية نابعة من التجربة، لا من الشهادات أو البروتوكولات.

حين تبدأ منظمة أجنبية غير حكومية مشروع ترميم السينما، يبدو الأمر في بدايته واعدًا: إعادة الحياة لمكان مهجور، إحياء الثقافة، وبث الأمل. غير أن هذا الوعد يتحوّل تدريجيًا إلى إقصاء ناعم، حيث تُهمّش خبرة حسين، ويُدفع إلى الهامش باسم “التطوير” و“المعايير المهنية”.

NGOs… دعم أم إعادة تشكيل؟

يضع «حبيبي حسين» إصبعه على سؤال حساس:

هل تعمل المنظمات غير الحكومية فعلًا على تمكين المجتمعات المحلية، أم أنها – من حيث لا تعلن – تعيد تشكيلها وفق رؤى خارجية؟

في الفيلم، لا تُقدَّم هذه المنظمات كقوى شريرة مباشرة، بل كجهات ذات نوايا حسنة، لكنها محكومة بعقلية التمويل، والتقارير، والصورة الموجّهة للمانح. وضمن هذه المنظومة، تصبح الخبرة المحلية عبئًا لا ميزة، لأنها لا تتقن لغة المشاريع، ولا تجيد تبرير ذاتها بالأرقام والعروض التقديمية.

السينما كذاكرة لا كمبنى

السينما في «حبيبي حسين» ليست جدرانًا أو مقاعد، بل ذاكرة جمعية. جهاز العرض الذي كان بيد حسين يرمز إلى من يملك حق سرد القصة. وحين يُنتزع هذا الحق، لا يُقصى شخص واحد فقط، بل تُقصى رواية كاملة عن المكان وأهله.

المفارقة القاسية التي يرصدها الفيلم هي أن السينما تُفتح من جديد، لكن من دون صاحبها الحقيقي؛ تعود الأضواء، بينما يغيب من حافظها عقودًا. وهنا تتجلى فكرة “الإحياء الشكلي” مقابل “الإفراغ المعنوي”.

لغة سينمائية هادئة… واتهام واضح

يعتمد الفيلم على إيقاع هادئ، ولحظات صمت طويلة، وكأن الكاميرا تترك المجال للواقع كي يدين نفسه بنفسه. لا خطابات مباشرة، ولا شعارات سياسية، لكن كل تفصيلة تقول شيئًا عن اختلال ميزان القوة بين المموّل وصاحب المكان.

الصمت الذي يرافق حسين في مشاهد عديدة ليس ضعفًا، بل تعبير عن عجز الإنسان البسيط أمام منظومة تُدار بلغات لا يعرفها، وقوانين لم يُسأل عنها.

إعادة الاعتبار للخبرة المنسية

في جوهره، يدعو «حبيبي حسين» إلى إعادة التفكير في مفهوم “الخبرة”. فهل الخبرة هي ما تقرّه المؤسسات، أم ما تراكم عبر السنوات؟ وهل التنمية الثقافية تعني التحديث فقط، أم الحفاظ على من صنعوا الثقافة فعلًا؟

الفيلم لا يقدّم حلولًا جاهزة، لكنه يفرض سؤالًا أخلاقيًا ملحًا:

كيف يمكن دعم المجتمعات من دون محو ذاكرتها أو إقصاء ناسها؟

«حبيبي حسين» فيلم عن شخص، لكنه في الحقيقة فيلم عن بنية كاملة. عن الطريقة التي يُعاد فيها إنتاج الهيمنة بأدوات ناعمة، وعن الخسارة التي لا تُكتب في تقارير المانحين: خسارة الإنسان لمكانه، ولصوته، ولحقه في أن يكون جزءًا من الحكاية.

إنه عمل سينمائي هادئ، لكنه مُربك، لأنه يجبرنا على النظر إلى “الدعم” من زاوية من يدفع ثمنه.

طارق سويطات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى