اخبار جنين

جنين تحت شبح الاستيطان من جديد: كيف وأين يخطط الاحتلال للعودة؟

طارق سويطات

لم يكن حديث قادة الاحتلال عن إعادة مستوطنات شمال الضفة الغربية، وتحديدًا في محيط جنين، مجرد تسريب إعلامي عابر، بل يعكس تحوّلًا سياسيًا وأمنيًا خطيرًا يعيد إلى الواجهة مشروعًا استيطانيًا أُجبر الاحتلال على تفكيكه قبل قرابة عقدين. اليوم، تعود أسماء مثل «كديم» وغيرها إلى التداول، في سياق إسرائيلي داخلي أكثر تطرفًا، وفي ظل واقع فلسطيني منهك أمنيًا واقتصاديًا.

عودة إلى ما قبل الانسحاب

في عام 2005، نفّذت إسرائيل ما عُرف بخطة «فك الارتباط»، وأخلت أربع مستوطنات من شمال الضفة الغربية، أبرزها مستوطنات في محيط جنين. حينها، قُدّم الانسحاب كخطوة أمنية وسياسية، لكنه لم يكن يومًا اعترافًا بحق الفلسطينيين في الأرض، بل إعادة تموضع مؤقتة.

اليوم، ومع صعود اليمين الديني والقومي المتطرف، تعود هذه المستوطنات إلى الخطاب الرسمي، لا بوصفها عبئًا أمنيًا، بل «حقًا تاريخيًا» يجب استعادته، وفق الرواية الإسرائيلية.

لماذا جنين؟

تمثّل جنين عقدة جغرافية وأمنية للاحتلال. فهي:

  • بوابة شمالية تربط نابلس وطولكرم والداخل الفلسطيني.
  • منطقة زراعية واسعة تشكّل سلة غذائية مهمة.
  • رمز للمقاومة والرفض الشعبي للاحتلال.

إعادة الاستيطان في جنين ليست خطوة معزولة، بل جزء من استراتيجية تهدف إلى تطويق المدينة، تفكيك امتدادها الجغرافي، وضرب عمقها الاقتصادي والاجتماعي.

أين سيكون الاستيطان؟

تشير التقديرات إلى أن الاحتلال يركّز على:

  • إحياء مستوطنة «كديم» الواقعة شرق جنين، لما تمثله من موقع استراتيجي يربط بين مستوطنات نابلس وشمال الأغوار.
  • السيطرة على التلال والمرتفعات المحيطة بالمدينة، ما يمنح المستوطنات تفوقًا أمنيًا وعسكريًا.
  • شق طرق التفافية جديدة تعزل القرى المحيطة بجنين عن مركز المدينة، وتربط المستوطنات ببعضها البعض دون المرور بالتجمعات الفلسطينية.

هذا النموذج سبق تطبيقه في مناطق أخرى من الضفة، وأثبت أنه تمهيد فعلي للضم الزاحف، حتى دون إعلان رسمي.

ما الذي يعنيه ذلك للفلسطينيين؟

عودة الاستيطان إلى جنين تعني عمليًا:

  • مصادرة آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية.
  • زيادة الحواجز العسكرية وتقييد حركة السكان.
  • تصاعد اعتداءات المستوطنين تحت حماية الجيش.
  • خنق اقتصادي ممنهج، يضاف إلى أزمة العمال، وتراجع الدخل، وغياب الأفق السياسي.

كما أن الاستيطان سيُستخدم ذريعة لتكثيف الاقتحامات العسكرية، وتحويل القرى والبلدات إلى مناطق تماس دائم.

الصمت الدولي… والواقع الفلسطيني

رغم الإجماع الدولي على عدم شرعية الاستيطان، إلا أن ردود الفعل تبقى في إطار البيانات، دون إجراءات رادعة. في المقابل، يعيش الفلسطينيون حالة إنهاك سياسي وانقسام داخلي، ما يشجع الاحتلال على المضي قدمًا في فرض الوقائع على الأرض.

جنين بين الاستهداف والصمود

إعادة طرح الاستيطان في جنين ليست مجرد خطوة عمرانية، بل معركة على الهوية والجغرافيا. الاحتلال يدرك أن السيطرة على جنين تعني كسر إحدى آخر القلاع الفلسطينية الرافضة للتطبيع مع واقع الاحتلال.

لكن في المقابل، أثبتت جنين عبر تاريخها أن محاولات الإخضاع، مهما تنوعت أدواتها بين الدبابة والمستوطنة، تصطدم دائمًا بإرادة شعب متمسك بأرضه.

في ظل هذا المشهد، تبدو جنين مقبلة على مرحلة أكثر خطورة، عنوانها: الاستيطان كأداة حرب طويلة الأمد، في مواجهة مدينة لم تتعلم يومًا معنى الاستسلام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى