الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية: الجذر سياسي… والحل سياسي قبل أن يكون إداريًا

طارق سويطات
تمرّ السلطة الفلسطينية بأزمة مالية مزمنة لم تعد مجرد خلل في إدارة الإيرادات أو تضخم في النفقات، بل باتت انعكاسًا مباشرًا لبنية سياسية واقتصادية مختلّة منذ تأسيسها. ومع كل شهر تتجدد فيه أزمة الرواتب أو تتراكم فيه الديون، يتضح أن المعالجة المحاسبية وحدها لن تُنقذ الوضع، لأن أصل الداء سياسي بالدرجة الأولى.
أولًا: الأسباب الحقيقية للأزمة
1) احتجاز أموال المقاصة والاقتطاعات
تعتمد الخزينة الفلسطينية بشكل كبير على أموال المقاصة التي تجبيها إسرائيل نيابة عن السلطة وفق بروتوكول باريس. لكن هذه الأموال تخضع لاقتطاعات واحتجازات متكررة، ما يحوّل المورد الرئيسي إلى أداة ضغط سياسي. وعندما يُحتجز شريان الإيرادات الأكبر، تتعطل القدرة على التخطيط والاستقرار المالي.
2) قيود بروتوكول باريس
يقيد بروتوكول باريس الاقتصادي السياسات الجمركية والضريبية والتجارية الفلسطينية، ويُبقي الاقتصاد في تبعية بنيوية للسوق الإسرائيلية. النتيجة: ضعف القدرة على تنويع الشركاء التجاريين أو حماية الإنتاج المحلي أو رسم سياسة نقدية مستقلة.
3) تراجع الدعم الخارجي
تقلصت المنح العربية والدولية خلال السنوات الأخيرة لأسباب سياسية وإقليمية، ما عمّق الفجوة بين الإيرادات والنفقات. الاعتماد السابق على المساعدات خلق نموذجًا هشًا؛ ومع انحسارها ظهرت العورة البنيوية.
4) الانقسام الداخلي
الانقسام السياسي والجغرافي أضعف الجباية في بعض المناطق، ورفع كلفة الإدارة، وخلق ازدواجية في النفقات، وأضعف ثقة المستثمرين.
5) اقتصاد تحت الاحتلال
القيود على الحركة والمعابر والأراضي والموارد الطبيعية تقلص الناتج المحلي وتحدّ من قدرة القطاع الخاص على التوسع. اقتصاد بلا سيادة كاملة لا يستطيع أن يولّد إيرادات مستقرة.
لماذا لا يكفي الحل الإداري؟
صحيح أن هناك حاجة دائمة لترشيد الإنفاق ومحاربة الفساد وتحسين التحصيل، لكن هذه إجراءات تجميلية إذا بقيت البيئة السياسية كما هي. زيادة الضرائب أو توسيع الجباية في هذه المرحلة، حيث يعاني المواطن من بطالة مرتفعة وتضخم وضعف دخل، لن تكون سوى خنق إضافي للاقتصاد الحقيقي. رفع العبء الضريبي على قاعدة إنتاجية ضعيفة يعني تقليص الاستهلاك، وتراجع النشاط التجاري، وانكماش الإيرادات نفسها على المدى المتوسط.
الأزمة ليست نقصًا في دفاتر التحصيل، بل نقصًا في السيادة على الموارد والقرار الاقتصادي.
الحل الحقيقي: مسار سياسي اقتصادي متكامل
- تحرير القرار الاقتصادي: إعادة النظر في العلاقة الاقتصادية المقيدة، والسعي لتعديل أو استبدال الترتيبات التي تكبّل السياسة التجارية والجمركية.
- حماية أموال المقاصة: تدويل ملف الاقتطاعات والضغط القانوني والسياسي لضمان انتظام التحويلات.
- إنهاء الانقسام: توحيد المؤسسات والجباية والإنفاق لخفض الهدر ورفع الكفاءة.
- استراتيجية تنمية وطنية: توجيه الاستثمار نحو القطاعات الإنتاجية (الزراعة، الصناعة الخفيفة، التكنولوجيا)، لتوسيع القاعدة الضريبية طبيعيًا عبر النمو لا عبر الجباية القسرية.
- شراكات عربية وإقليمية بديلة: فتح أسواق جديدة وتقليل الاعتماد الأحادي.
من الأكثر التزامًا بدفع الضريبة؟
المفارقة أن الفئة الأكثر التزامًا هي الموظفون العموميون وموظفو القطاع المنظم، لأن ضريبتهم تُقتطع مباشرة من الرواتب. كما يلتزم جزء كبير من صغار التجار المرخّصين خوفًا من الغرامات. في المقابل، يظل الاقتصاد غير المنظم خارج الشبكة الضريبية بدرجة كبيرة، ليس دائمًا تهربًا، بل أحيانًا بسبب ضعف الثقة وغياب الحوافز.
لذلك فإن العدالة الضريبية لا تتحقق بمزيد من الضغط على الملتزمين أصلًا، بل بتوسيع القاعدة عبر دمج الاقتصاد غير الرسمي تدريجيًا، وبناء ثقة متبادلة: ضريبة مقابل خدمة، وشفافية مقابل التزام.
الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية ليست عجزًا محاسبيًا بقدر ما هي انعكاس لواقع سياسي مقيد. أي معالجة تركز على الجباية دون تغيير البيئة السياسية ستؤدي إلى إنهاك المواطن وتآكل ما تبقى من طبقة وسطى. الطريق إلى الاستقرار المالي يمر أولًا عبر بوابة القرار السياسي السيادي، ثم عبر إصلاح إداري رشيد يدعم النمو بدل أن يخنقه.



