last ahot حين تصبح غزة في قلب الصورة الأخيرة

طارق سويطات
في مهرجان روتردام السينمائي الدولي، حيث تُعرض أفلام تبحث عن الحقيقة خارج السرديات الجاهزة، برز الفيلم القصير Last Shot كعمل سينمائي إنساني يضع أحداث غزة في صلب حكايته، لا بوصفها خبرًا عابرًا، بل تجربة وجودية تلاحق من عاشها ومن نجا منها.
الفيلم، من بطولة محمد عبد الرحمن ومؤمن سويطات، يقدّم معالجة هادئة ومكثفة لتبعات الحرب، من خلال قصة أخوين فرّق بينهما الموت، وجمعت بينهما الصورة.
غزة… الحدث والذاكرة
تدور أحداث Last Shot حول مصوّر صحفي فلسطيني قُتل أثناء تغطيته الأحداث في غزة، تاركًا خلفه كاميرته ولفائف أفلامه، التي تصل إلى شقيقه المقيم خارج القطاع. من هنا، لا ينشغل الفيلم بتصوير الحرب ذاتها، بل بما تتركه الحرب خلفها: صور غير مكتملة، وأسئلة بلا إجابات، وذاكرة مثقلة بالعجز.
غزة في الفيلم ليست مكانًا يُذكر بالاسم فقط، بل حضور دائم في كل لقطة، في كل صورة، وفي الصمت الذي يحيط بالشخصيات. إنها المساحة التي وُلدت فيها “اللقطة الأخيرة”، وتحولت إلى شهادة على العنف، وعلى ثمن نقل الحقيقة.
التمثيل… وجع بلا خطاب
يقدّم محمد بكري أداءً عميقًا ومتقشفًا، يجسّد شخصية الأخ الذي يجد نفسه أمام إرث ثقيل: صور من غزة توثّق الموت والدمار، وتحمله مسؤولية أخلاقية تجاه ما يجب أن يُعرض وما يُخفى. أما مؤمن سويطات، فيجسّد المصوّر الصحفي الغائب الحاضر، الذي لا نراه كثيرًا، لكننا نشعر به في كل إطار، كصوت من غزة لم يُسمح له أن يكتمل.
التمثيل يخلو من المبالغة، ويعتمد على الصمت، النظرات، والتوتر الداخلي، وكأن الشخصيات تخشى أن تخون غزة إن قالت أكثر مما يجب.
رؤية إخراجية تحترم الوجع
اختار الفيلم لغة بصرية باردة، ومساحات مغلقة، تعكس المسافة الجغرافية والنفسية بين غزة والعالم الخارجي. الصور القادمة من القطاع تصطدم بعالم المعارض الفنية والفضاءات الآمنة، في مفارقة تطرح سؤالًا مركزيًا:
كيف تُستقبل صور الحرب حين تُعرض بعيدًا عن مكانها؟
الإخراج لا يستثمر في مشاهد صادمة، بل في ثقل الصورة ومعناها، وفي الصراع بين التوثيق والرقابة، وبين الذاكرة والإنكار.
أكثر من فيلم عن الحرب
Last Shot ليس فيلمًا عن الحرب بقدر ما هو فيلم عن ما بعد الحرب، وعن المصوّر الفلسطيني الذي يذهب إلى غزة بالكاميرا، ويعود — إن عاد — بصورة قد تكون الأخيرة. إنه تحية غير مباشرة للصحفيين الذين قُتلوا في غزة وهم يؤدون عملهم، وسؤال مفتوح حول قيمة الصورة في عالم اعتاد على استهلاك الألم.
برباطة جأشه وصدقه، ينجح Last Shot في تقديم غزة كذاكرة حيّة لا يمكن احتواؤها في إطار واحد. فيلم يذكّر بأن الصورة القادمة من غزة ليست مجرد مادة بصرية، بل شهادة أخيرة على حياة قُطعت، وحقيقة حاولت أن تُرى.



